ابشروا فإنه رجب
ابشروا فإنه رجب
بقلم الدكتور : أبوالعباس فخري سعد
شهر رجب هو الشهر السابع من شهور السنة الهجرية ، اشتق اسمه من الترحيب أي التعظيم لأن أهل الجاهلية كانوا يعظمونه ولا يستحلون القتال فيه .
شهر رجب له مكانة كبيرة بين الشهور الهجرية عامة والأشهر الحرم خاصة فهو شهرٌ كريم وعظيم عند الله وهو أحد الشهور الأربعة التي خصّها اللهُ تعالى بالذّكر٬ ونهى عن الظُّلم فيها تشريفاً لها.
هو شهر يتركُ فيه العَرب القتال إحتراماً وتعظيماً لهُ٬ فضلا نفحاته الإيمانية وبركاته التي يجب علي كل مسلم التماسها في هذه الأيام المباركة .
و شهر رجب له فضل علي بقية شهور العام حيث قال الله عنها: “إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم” “التوبة: 36”.
رجب شهر الله الأصم أي تصم فيه السيوف عن القتال ويمسي أيضا رجب الفرد، لوقوعه منفرداً عن بقية الأشهر الحرم الثلاثة “ذو القعدة ـ ذو الحجة ـ محرم”. ويسمى رجب مضر، لأن قبيلة “مضر” كانت تعظمه وتحرمه بالمقارنة بكافة الأشهر عموما والحرم منها خصوصا .
وفي فضل رجب أيضا روي في الصحيحيين عن أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ .
أهل الجاهلية كانوا يذبحون في هذا الشهر ذبيحة تسمى العتيرة، فجاء الإسلام وأبطلها، قال صلى الله عليه وسلم : “لا فرع ولا عتيرة). متفق عليه.
وأيا كانت الاختلافات حول فضل شهر رجب بين منكر ومؤيد ..فالمسلم مطالب بمعرفة قدرَ هذا الشهرِ الحرامِ ؛ فهو شهر يحذر من المعصية فيه؛ فإنّها ليست كالمعصيةِ في غيرِه؛ بل المعصيةُ فيها أعظمُ، والعاصِي فيه آثمُ؛ كما قال سبحانه: “يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ” “البقرة : 217″؛
والأية الكريمة تشير هنا إلي ذنبٌ عظيمٌ، وجرمٌ خطيرٌ؛ فهو كالظّلمِ والمعصيةِ في البلدِ الحرامِ؛ الّذي قال الله عزّ وجلّ فيه: “وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ” “الحج : 25”.
وفي نفس السياق قال حبرُ الأمّةِ وتُرجمانُ القرآنِ عبدُ اللهِ بنُ عبّاسٍ -عليهما الرِّضوان- في تفسير قوله تعالى: “فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ”.
الطّبريّ روي أيضا في “تفسيره”-: «في كلِّهنّ، ثمّ اختصَّ من ذلك أربعةَ أشهرٍ فجعلهنَّ حراماً، وعَظّم حُرُماتِهنَّ، وجعل الذنبَ فيهنَّ أعظمَ، والعملَ الصالحَ والأجرَ أعظمَ”.
وعن قتادة رحمه الله قال: « إنّ الظلمَ في الشهرِ الحرامِ أعظمُ خطيئةً ووزراً من الظلمِ فيما سواهُ، وإنْ كان الظلمُ على كلِّ حالٍ عظيماً، ولكنَّ اللهَ يُعظِّمُ من أمرِه ما شاء.
وقال : إنَّ اللهَ اصطفى صَفايا من خلقِه؛ اصطفى من الملائكةِ رسلاً، ومن النّاسِ رسلاً، واصطفى من الكلامِ ذكرَه، واصطفى من الأرضِ المساجدَ، واصطفى من الشهورِ رمضانَ والأشهرَ الحُرمَ، واصطفى من الأيّامِ يومَ الجمعةِ، واصطفى من اللَّيالي ليلةَ القدرِ؛ فعظِّموا ما عظَّم اللهُ؛ فإنّما تعظَّم الأمورُ بما عظَّمها اللهُ عند أهلِ الفهمِ والعقلِ».
لعل أظهر الدلائلِ على تعظيمِ هذا الشّهرِ الحرامِ: هو الابتعادُ عن ظلمِ الإنسانِ نفسَه؛ باجتِراحِ الذنوبِ والسيّئاتِ، ومقارَفَةِ الآثامِ والخطيئاتِ؛ ذلك لأنّ الذنبَ في كلِّ زمانٍ شرٌّ وشؤمٌ على صاحبِه؛ لأنّه اجتراءٌ على اللهِ جلَّ جلالُه وعظُم سلطانُه، لكنّه في الشهرِ الحرامِ أشدُّ سوءاً وأعظمُ شؤمًا؛ لأنّه يجمعُ بين الاجتراءِ على الله تعالى، والاستخفافِ بما عظّمه اللهُ جلّ وعلا.